جنرال، بروفيسور، عضو كنيست ومناضل من اجل السلام
متتياهو (ماتي) بيلد
(1923 – 1995)

بنظر الكثيرين كان استثنائيا، وبنظره هو – انسانا مخلصا لمركز الطريق الذي يليق بصهيوني في الدولة المشتركة لليهود والفلسطينيين. كان ماتي بيلد يعتقد ان نشاطاته على مدار حياته، كجنرال في الجيش الاسرائيلي، وباحث للأدب العربي وناشط في الساحة السياسية، تكمل الواحدة الاخرى دون اي تناقض.

ولد بيلد في حيفا وترعرع في القدس. كصبي كان نشيطا في حركة الشبيبة وعندما كان في ال-18 من عمره انضم الى السرية المقدسية في "البلماح" مع اسحاق رابين رحمه الله.

سافر سنة 1946 ليتعلم الحقوق في لندن، ولكن حرب 1948 اعادته الى الجيش. كان بيلد قائد سرية في "حملة يوآب" وأصيب في المعركة. شمل المسار الحربي لدى بيلد، من بين الامور, الدراسة في مدرسة القيادة والاركان في انجلترا، اقامة مدرسة القيادة والاركان في الجيش الاسرائيلي، وحاكم محافظة القدس ورئيس قسم الامدادات في الاركان العامة برتبة جنرال. وعام 1969 عاد الى الحياة العامة.

كانت نقطة التحول في حياته العسكرية عندما شغل منصب حاكم عسكري لغزة بعد حرب سيناء، 1956. اللقاء المباشر مع الفلسطينيين قاده الى القناعة، ان هذه البلاد من حق الشعبين وان الخطوة الاولى للتفاهم هي اللغة. ومن هنا اتخذ القرار في دراسة اللغة العربية والادب العربي. لم يكن لدى بليد برنامجا سياسيا معينا في تلك الاونة بعد.

كقائد محافظة القدس في الجيش الاسرائيلي كان بيلد شريكا للمشروع الحكومي الوحيد للتوطين من جديد للاجئين فلسطينيين: سكان عين نقوبا، في مشارف القدس. لم يسمح لهم بالعودة الى قريتهم، التي نقلت لليهود، فسكنوا في الغور في قرية عين رافه المجاورة.

درس بيلد، اثناء الخدمة العسكرية، الادب العربي في اسرائيل وفي الولايات المتحدة. بعد تسريحه من الجيش كتب في جامعة لوس انجلوس اطروحة الدكتوراة عن الكاتب المصري الحائز على جائزة نوبل للادب نجيب محفوظ. كباحث ادب اعتبر بيلد من اوائل العاملين في قسم الادب العربي في جامعة تل ابيب، والتي درّس فيها ايضا بعد خروجه الى التقاعد.

كانت بداية طريقه السياسي داخل حزب العمل واعتبر نفسه حتى اخر يوم في حياته صهيونيا، على الرغم من ادعاءات معارضيه.
في سنة 1975 اعتبر من مؤسسي مجلس السلام الاسرائيلي الفلسطيني، مع اوري افنيري، يعكوف ارنون، يوسي اميتاي، عاموس كينان، ليوبا الياف، نعمي قيس واخرين. كان بيلد مركز الحركة. وفي هذا الاطار ادار اللقاءات مع اعضاء حركة تحرير فلسطين (فتح). اللقاء . الاول كان في باريس سنة 1976، مع عصام السرطاوي، بوساطة هنري كوريئيل, ناشط يساري يهودي من مصر هاجر الى فرنسا. لم تكن المراحل الاولى سهلة. شدة الانتقادات من الاوساط الفلسطينية المتطرفة كانت الخلفية لقتل السرطاوي سنة 1983. كورئيل قتل هو ايضا من قبل معارضيه، سنة 1978، لاسباب اخرى. في تلك الاونة اطلع بيلد صديقه اسحاق رابين الذي كان عندها رئيس الحكومة، عن هذه الاتصالات ولكن رابين رفض دعم هذه اللقاءات.

مع اقامة حركة "شيلي" سنة 1977 كان بيلد من قيادتها حتى انحلالها. وكان سنة 1984 من المبادرين للحزب العربي اليهودي، القائمة التقدمية للسلام وسوية مع المحامي محمد ميعاري مثّل هذه القائمة في الكنيست، واعتبر بيلد من اعضاء الكنيست الاكثر نشاطا.

خصص بليد سنوات حياته الاخيرة لدفع افكاره السياسية وبحث الادب العربي،
وهما مجالان اندمجا في حياته سوية.

كان عمل الترجمة الاخير له من العربية كتاب "حكماء الظلام" للكاتب الكردي العربي سليم بركات. وحاز بيلد قبيل وفاته على جائزة نقابة المترجمين. عمل الترجمة هذا ميز طريقه: البحث عن نصوص استثنائية والاستعداد لمواجهة المصاعب، في هذه الحالة - اللغوية.

استمر بيلد في انشغالاته السياسية بهدوء. وأكثر في نشر المقالات والمشاركة في مؤتمرات في البلاد وفي الخارج. مقاله السياسي الاخير، في المنشور الفصلي للمجلس الاسرائيلي للسلام اسرائيل فلسطين، كتبه بيلد في ما بقي من قواه، اسابيع معدودة قبل وفاته, بعنوان: "مرثية لاوسلو" الذي عبر فيه عن خذله من الاتفاق. وبعد ذلك بسبعة شهور قتل قائد اتفاقية اوسلو، صديقه اسحاق رابين.

زيكا بيلد، ارملته، تبرعت بمكتبة بيلد الغنية، لكلية للمعلمين العرب في معهد بيت بيرل. وكتاباته السياسية تم التبرع بها لمعهد ليبون.

وشاء القدر ان يد الارهاب الفلسطيني وصلت الى عتبة عائلة بيلد. ففي ايلول/سبتمبر 1997 قتلت في عملية فلسطينية في القدس سمدار الحنان ابنة ال-14 حفيدة بيلد. الجد والحفيدة مدفونان في قبرين متجاورين. ووصل الى الجنازتين كبار المسؤولين في الجهاز السياسي الاسرائيلي والفلسطيني.